الأربعاء، 14 مايو 2025

نَاصِيَةُ المَوَاجِعِ





على هامش التفاصيل الثقيلة....الثقيلة جدًّا
مع كل فقد.. يفقد المرء كثيرا من روحه، أو كثيرا من خفة روحه..
فيغدو ثقيلا: على الوقت،
على المضي،
على الرغبة،
على الجديد،
على التأمل،
وعلى كل ما يمثله أو يريده..

يقف طويلا..
يقرر الحديث.. فيبتلع نصف القضية التي أرّقته، ويتساءل: كيف أنجو الآن من نفسي؟
كيف أتجاوز الفقد؟ ولا مجيب!

يوما عندما كنت صغيرة -أو كما أظن- رحل جدي مصطفى..
فعرفت أن الموت أمر جادٌّ جدا..

لم أفهم وقتها كيف الموت أو كيف يبدو أو كيف يشعر الحي عندما يفقد حبيبا بلا عودة.. بقيت مدة طويلة أرفض التأكيد من داخلي على حتمية الأمر (رحل جدي دون عودة). أستعمل الذكريات كي أتملص من المواجهة، ذاك الوقت لا أعرف مواجهة ماذا؛ لكني متأكدة أن جدي باقٍ في نفسي لم يرحل. والدليل أنني -وقتها- أتذكر كلامه ومزحه وضحكه وأحيانا خصامه وغضبه.
حتى وصلت لمرحلة العجز التام في استدعاء الذكريات..

والخوف يكبر داخلي، أخاف الاعتراف أن الموت حقيقة، وأن رحيله حقيقة..
لم أعرف أنها حقيقة مؤلمة حتى رحل (سيدي عمر)..
وبقيت التساؤلات تتضخم والهروب حاضر والمواجهة عصيَّة.
لكن المفارقة أني وقتها أعي حتما أن الموت معناه اللاعودة أبدا، والذكريات لا تسمن ولا تغني من شوق، وأنه مع كل رحيل يتضاعف الألم، ألم دون نهاية.. حتى مع مطلق التَّقبّل القسريّ..
بقيت سنوات طوال وأنا أعالج -ما أمكنني- ألم رحيلهما..

أتذكر جدي مصطفى بعد عصر الجمعة يأتينا بالفرح -أعني الفرح حقًّا-
يأتي حاملا بين يديه الحلويات و(قصب السكر) يعلمنا الصبر بطريقة جذابة جدا تليق بنا كصغار.
وبشدة كان يحاول أن يعلمنا لغتنا، ويغضب حين نعجز -أو نرفض ببراءة- فنرد عليه بالعربية.. يقول: (سأضربكم لو لم تتعلموا).. ولم يضربنا ولم نتعلم..

وفي صباحات الخميس نركب السيارة مع سيدي عمر في رحلة جماعية خلابة هدفها إحضار الإفطار.. ونرجع لنجد الحليب الدافئ محضرا من يد ستي.. فنتحلّق حول السفرة ببراءة ويكون أشهى وألذ إفطار..
أو رحلة (حلقة الخضار) ربما هذه أهم وأفضل رحلة على الإطلاق..


وليت الطفولة لم تنتهِ بهذه السرعة...
أو ليتنا نستطيع مراجعة الذكريات بشكل حقيقي دائما دائما دائما..



ثم..... قبل مدة بسيطة رحلت جدتي فاطمة ... وما أقساه من رحيل!
برحيلها تجددت مواجع الفقد، وتفتقت جروح لم تلتئم، بل تورات بتقادم الزمن.
جدتي التي حدثتني كثيرا عن تاريخ القبيلة، عن طفولتها، عن مغامراتها، عن حيّهم القديم، عن أبي وأعمامي وعماتي وجيرانهم...
واصطحبتني إلى الحرم في طفولتي، ورافقتها كثيرا في صلاة التراويح..
أشعر بالسعادة الغامرة وأنا أمشي بين دفتي الذكريات في مخيلتي..
وألملم شعث الحزن برؤيتها وهي تضحك، وفرحتها ونحن بين يديها -أحفادها-..

حب الأجداد للأحفاد عصيّ على الشرح عصيّ على الفهم، وكذلك حب الأحفاد للأجداد..
نحبهم بلا سبب وبكل سبب..

"أعيشُ بجوفِ ذاكرةٍ
لها في داخلي جَرْسًا
تقصُّ عليَّ ما يُبْكِي
وأُذْنِي تَسْمَعُ الهمسَا"

رحم الله الراحلين حقيقةً، والباقين في نفوسنا دوما على التأبيد.