السبت، 31 أغسطس 2019

هل سقيت البذرة التي تشبهك.. !



لو أنك لا تملك هدفًا جادًّا أو عدة أهداف وتعمل على تحقيقها جاهدًا!
فهذا المقال لا يناسبك، ولا تهدر وقتك في شيءٍ سيغضبك في النهاية.

لنكن صريحين؛ لا يظن أحد أن الوصول للنقطة التي بناها في مخيلته يوما ما وهو مستلقٍ على وسادته ستكون بنفس سهولة الاستلقاء!

كلنا نعتمد فلسفة حياتية، نوثقها بأنفسنا، نربطها بكامل تفاصيلنا بإحكام، متيقنين -بحول الله- أنها مربط السعادة ومعنى النجاح، ثم ننطلق باحثين عن سبل صيرورتها.

في هذا المشوار نحتاج لمعاملة أهدافنا كمعاملة البذور من حيثيات عدة..
فهل رأى أحدنا بذرة تُلْقى بين الرِّمال وسط صحراء قاحلة، وفي الجوار صاحبها ينتظرها تثمر له تفاحة صفراء، ولذيذة ! 
من غير المعقول هذا .. فالأمر يحتاج لإيمان تام بأن ربها هو مثمرها أولا، ومن ثم مع هذا الإيمان لا نفقد الرضى بالمقسوم، هذا مايتعلق بالداخل.
ثم بعدها يأتي العمل الخارجي من عناية ورعاية، وتوفير الاحتياجات واللوازم.
مع العلم أن لكل بذرة -هدف- معاملة خاصة ومختلفة عن نظيرتها.

ومن المؤكد أن هذه البذرة لن تعيش حياتها في أمان محاطة بما يؤهل نموها سالمة، بل ستجد من عوامل التعرية الكثير، من الداخل ومن الخارج، فربما حصل ونقص هذا الإيمان وضاع الرضى، ستنتظر البذرة قليلا ولو لم يعدِ هذا المفقود ستموت !
وربما أُهملتْ أو قلَّت الاحتياجات، حينها تمرض؛ وحتما ستفقد جزءًا من أجزائها السليمة، ولا نستبعد جفافها وانتهائها.

أهدافنا التي نخفيها عن الأنظار ونعمل جاهدين للوصول إليها، هي ذاتها البذرة تلك، لكنها بحجم يشبهنا، والثمرة المنتظرة من هذه البذرة تمثل واقع نجاحنا.

هوادم النجاح كثيرة. 
أهمها ثلاثة، وعلى صاحب الهدف إدراكها والتعايش معها بوعي تام وإلا فقد كل الجهد وعاد بلا جدى.

- (تحقيق النجاح في مرحلة ما، لا يعني الضمان الذي يجلب النجاحات التالية)

ومن لم يتنبه لها مبكرًا، عاد لنقطة الصفر!
وهي اعتقادهم بأن النجاح في هدف ما سيجلب لهم النجاحات الباقية دون مثابرة ولا استمرارية، بلهجة أخرى يعتقدون أن التفاحة الصفراء لو خرجت من تلك البذرة بعد العناية والرعاية ستُخَلِّفُ لهم تفاحات أخرى، صفراء وخضراء وحمراء.

- قلق التغيير!
كثيرا ما ترتبط بالسابقة؛ لأن الذي يخشى التغيير والتعامل مع المتغييرات وتوظيفها حسب احتياجاته هو ذاته الراكن إلى نجاحه الأول وانتظاره النجاحات التالية دون جهد أو أدنى تعب!

قد نفقد ما اعتدنا عليه، وهذا مؤلم بلا شك، لكن الاستسلام أمام هذا الألم يعني تضييع الفرص السانحة.
بذور الحقول تتكيف مع المواسم المختلفة، وتتخير لها موسمًا لتزهر وتثمر فيه بأريحية مطلقة، وأهدافنا كذلك، يعمل عليها الفلاح -نحن- بجد ومثابرة مع ذكاء قيادة التغيير، لتظهر النتائج المُرْضِية.

- الفشل!
أثقل كلمة قد تواجه صاحب الهدف. لكن لماذا حلّ في الأذهان عدم الفشل على الإطلاق؟
أنا وأنت وهم وكلنا نحتاج للفشل حتى ندرك الكثير، ولو قلنا: (الفشل ضرورة النجاح)، لن يختلف على الجملة عاقلان.

فلماذا يخيفك الفشل؟
ألم تتعلم في كل مرة تفشل فيها شيئا جديدا وخبرة جديدة تضيفها لمحصلة الخبرات التي تسهل عليك الوصول لخط النهاية في سباق النجاح؟

ألم تدرك أن هذا الفشل أفاقك من سبات البطء، فصارت همتك أعلى؟

بل حتى طعم النجاح الذي يسبقه سقوط يكون مختلفًا، لأننا أدركنا قيمة النظائر والأضداد.

ولو مازلت تذكر مزارع التفاح، هل تظن أنه مذ ألقى البذرة ووفر لها الماء، الشمس، والتربة نمت وترعرعت!

الآن، بينما أنت تفكر في واقع أهدافك ومداها، أجزم لك أن النجاح قد تحقق في بعضها، لكنك تفقد جدية متابعة الهدف، ففقدت قيمته.

إن النجاح حصيلة القناعات التي نتركها في قرارة أنفسنا، ونسقيها بأفكارنا ونرعاها بأفعالنا وأقوالنا، ثم تكون بالشكل الأخير الذي بين أيدينا، لذلك أكثر الساخطين على ماتوصلوا إليه كانوا هم السبب الأول في ذلك..
وإذا سألنا لماذا فالجواب عندهم.

وليكن في أذهاننا أن ‏الاستنهاض لن يتحقق بين عشية وضحاها.

فلو لم يكرّس المرء منّا كلّه لبذرة مفيدة، مؤمنا أن ثمرها سيغير منه شيئًا واحدًا على الأقل، لن يخرج بشيء من نفسه التي تستسهل الركود وتستصعب الوصول.

والغاية مما سبق أن نصل إلى محل الاتفاق أن النجاح هو مدى نمو البذرة التي تشبهك.

فهل سقيت البذرة التي تشبهك؟

الاثنين، 19 أغسطس 2019

رسالة في حسن الظن بالله.



كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه رضي الله عنهم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله!) *صحيح مسلم وابن حبّان.
ما كان هذا الحرص منه إلا ولأن الحياة لا تسير دون تحقيقه، ولا نجد الحوائج دون استعماله.

وهي الثقة أن الله فوق وأعظم مما نتصور.

- حسن الظن !
مفتاحه اليقين القلبي بأن الله يقدر.

- ومتى يظهر حقيق حسن الظن بالله !
حينما يتثاقل الطلب وتبعد الرغبة، وتزداد قتامة الواقع..
في هذه الظروف عادةً ما يخسر الإنسان الامتحان فيسخط ويجزع إلا من أدرك حسن الظن بالله، وقتها يزداد إلحاحا في دعائه.

بعدما يرسخ اليقين وحسن الظن بالله، أي أذى من الخلق حتى تبالي به!
أو مَنْ مِنَ الناس تطلب، أو عند باب مَنْ تقف سائلا حاجتك إياه؟

كم مرة في اليوم نردد ونقول:(الله أكبر) هل استشعرنا عِظم تلك الجملة؟
هل وصل الاعتقاد الجازم بصفة الله هذه، أنه أكبر من كل شيء، بدءًا من أشيائنا المحبوبة والمرادة وانتهاءً عند مخاوفنا وتردداتنا..

نحن جهلاء جدا لو لم نجد لذة حسن الظن هذه، لأننا كمسلمين لا ننفك عن ذكره وشكره وعبادته والتعلق برجائه ودعائه، ونخسر أشد الخسارة لو لم نشعر بتلك اللذة.

هذا إبراهيم عليه السلام، حينما قُذِف في النار، أبى أن تكون نجاته إلا من الله.
كان إبراهيم عليه السلام مع الله بالظن الحسن فكان الله معه.

وهو هو إبراهيم عليه وعلى آله الصلاة والسلام يضع هاجر وإسماعيل، في الوادي الموحش.. وإذ بصوت كسير يجذبه: آلله أمرك؟ نعم..
ثقةً منهما أن الله سيغذيهم وستجبى لتلك البقة كل خيرات الأرض..
والقصة القصة كما نعلم.

ورسولنا المصطفى عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام ردد في ذاك الغار الضيق المظلم وفي ظل مطاردة العدو؛ مطمئنا قلب صاحبه: (لا تحزن إن الله معنا)..
كل قصة كأنما نشاهدها بأعيننا يقينا، وهذا لأن الإيمان بالله وحسن عاقبته ينبع من تفاصيلها.
ولو استحضرنا كل القصص التي نحفظها عن ظهر قلب، للأنبياء والصالحين وعرضناها على ما هية حسن الظن، لأدركنا سر فلاحهم وتوفيقهم ونجاتهم من كل كرب.

ولا نظنّ أن المسألة تقف عند مجرد الكلام!
لا يحصل المراد إلا بتعزيز المضغة الأساسية (القلب)، وأن تصدق جوارحنا حال فؤادنا فنرقى بحول الله على عتبات اليقين، عتبةً عتبةً حتى نقف عند كمال الإيمان.

فإذا تحققت شروط حسن الظن،
لن تدمع عينٌ من فرط الألم، بل تنسكب العبرة شكرا لله وحمدا على النعمة، ومن فرط الرضى.

أمَا يسأل الشخص منا نفسه مرة على الأقل حين عقل وإدراك:
كيف للذي خلقَ من عدم،
ورزقَ بكرم،
وأمدَّ بالعافية بعد مرض وسقم،
ألَا يزيل عنك ما أثقل عليك؟
كيف لا يعطيك ما ترجو وتأمل؟
كيف ... وكيف ... وكيف!

ويسأل نفسه ثانيةً كذلك!
هل الحزن حرَّك ساكنًا ؟
والخوف هل غيَّر شيئًا؟

بابُ حسن الظن بالله واسع، ونتائجه عظيمة بلا شك، وثمراته محمودة بالتأكيد.
لكن لزاما علينا التمسك بمفتاح هذا الباب.

ومن أحسن المعادلة، طابت له النتائج.